أيوب صبري باشا

215

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

وهكذا تزايدوا وكثروا فأصبح الذين يظلون في آخر المسجد النبوي من البررة الكرام لا ينالون متعة رؤية وجه النبي الجميل ويتمتعون بصوت النبي صلى اللّه عليه وسلم ويحرمون من فوائد فرائد ألفاظ حبيب الإله وذلك لشدة الزحام فصنعوا منبرا جديدا فصعد النبي صلى اللّه عليه وسلم فوق المنبر وجلس عليه ، عندئذ صاح العمود صيحة حنين حينا وأن أنينا آخر حتى كاد أن ينشق قطعتين وسمع أهل المجلس صيحة الجزع الأليمة بآذانهم ، ونزل النبي صلى اللّه عليه وسلم من المنبر رحمة بحال العمود الحزين وضمه بصدره وعانقه بكل رقة وشفقة . ومن هنا أخذ الجزع يبكى ويئن كصبى صغير وفي آخر الأمر سكن من تسلية الرسول صلى اللّه عليه وسلم له كما يسكت الطفل عندما يسليه أبوه وأمه وانقطع عن الصيحة والأنين وبناء على خطب الرسول صلى اللّه عليه وسلم في أصحابه الكرام قال يا أمتي وأصحابي ! قد أن هذا العمود وبكى لأنه تأثر من مفارقته ما سمعه من الذكر والتسبيح الخاصين بالأوصاف الإلهية . انتهى . هذه المعجزة من المسائل المشهورة والمصدقة بين الأئمة . قد حكى مؤلف المناقب الشافعية ابن أبي حاتم نقلا عن والده عن عمرو بن سوّاد عن والإمام الشافعي أن الإمام الشافعي قال : « إن النبي الأكرم قد أعطى اللّه له من المعجزات ما لم ينعم به على أحد من الأنبياء » وحكى ذلك في صورة مفصلة . يقول عمرو بن سواد : « كنت قد قلت أن عيسى - عليه السلام - قد أعطى معجزة إحياء الموتى » قال الإمام الجليل « وقد أنعم اللّه على النبي صلى اللّه عليه وسلم بمعجزة حنين الجزع حتى سمع صوت الجذع ، وهذا أكبر من معجزة إحياء الموتى » « 1 » . قد روى بكاء الجزع وأنينه وصيحته بسبب فراقه الأليم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، سواء أكان المؤرخون أو العلماء الذين شغلوا أوقاتهم من أئمة الحديث بنقل الأخبار النبوية وإخراجها ، يعنى أن الأصحاب الكرام - رضى اللّه عنهم - الذين حضروا أحداث القصة المشروحة في يوم وقوعها وسمعوا بآذانهم حديث حنين الجزع كأبناء البشر ونطقه وهو يعرض حاله للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأقاموا على ذلك بينة عادلة إلا أن زمرة

--> ( 1 ) انظر : فتح الباري 6 / 898 .